نسبه ومولده:
هو أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن بن
محمد بن مهذّب السُلمي، مغربي الأصل. ولد في دمشق في سوريا عام 577 هـ،
وعاش فيها وبرز في الدعوة والفقه، وقد نشأ في دمشق في كنف أسرة متدينة
فقيرة مغمورة، وابتدأ العلم في سنّ متأخرة نسبياً.
طلبه للعلم :
يروي السبكي عن والده أن العزّ بن عبد السلام كان فقيراً في أول أمره،
ولم يشتغل بالعلم إلا على كبر، وأنه قد ابتدأ بقراءة "التنبيه" فحفظه في
مدة وجيزة، ثم أقبل بعد ذلك على المزيد من العلم حتى صار أحد أعلم زمانه.
فقد قصد العزّ فطاحل العلماء في عصره، وجلس في حلقاتهم، ونهل من علومهم،
وتأثر وبأخلاقهم، واستوعب العلوم في مدة تعتبر وجيزة. فقد قال عن نفسه: «ما
احتجت في علم من العلوم إلى أن أكمله على الشيخ الذي أقرأ عليه إلا وقال
لي الشيخ: قد استغنيت عني، فاشتغل مع نفسك، ولم أقنع بذلك، بل لا أبرح حتى
أكمل الكتاب الذي أقرؤه عليه في ذلك العلم». وجمع العزّ في تحصيله بين
العلوم الشرعية والعلوم العربية، فقد برز أيضا في اللغة والنحو والبلاغة
وعلم الخلاف.
وكان أكثر تحصيله في دمشق نفسها، ولكنه ارتحل أيضا إلى بغداد للازدياد من
العلم، إذ كانت في زمانه الرحلة لطلب العلم قاعدة مستقرة، تعتبر منقبة
ومفخرة لصاحبها. وقد رحل إلى بغداد عام 597 هـ وأقام بها أشهراً، ثم عاد
إلى دمشق.
شيوخه
- فخر الدين بن عساكر، وقد قرأ عليه الفقه.
- سيف الدين الآمدي، وقد قرأ عليه الأصول.
- الحافظ أبي محمد القاسم بن عساكر، وقد سمع منه الحديث.
شخصية :
كان الشيخ "العز" عالمًا حقيقيًّا يدرك أن دور العلماء لا يقتصر على
إلقاء الدروس والخطابة وتعليم الطلاب، فاشترك في الحياة العامة مصلحًا يأخذ
بيد الناس إلى الصواب، ويصحح الخطأ لهم ولو كان صادرًا من أمير أو سلطان،
ولما كانت نفسه قوية امتلأت بحب الله ولم يعد فيها مكان للخوف من ذوى الجاه
والسلطان، فهو لا يخاف إلا الله، ومن خاف الله هابه الناس واحترموه.
عاش الشيخ من أجل الناس وإصلاح حياتهم ودنياهم ، فعاش في قلوبهم ووجدانهم .. أحب الناس فأحبه الناس .
واقف من حياة الشيخ "العز بن عبد السلام ":
موقفه عندما كان خطيب الجامع الأموي بدمشق :
كان "العز عبد السلام" خطيبًا بارعًا، يؤثر في مستمعيه بصدق عاطفته
وغزارة علمه، وسلاسة أسلوبه، ووضوح أفكاره، وهذه المؤهلات جعلته جديرًا بأن
يكون خطيب الجامع الأموي في دمشق وكانت خطبه في الجامع مدرسة يتلقى الناس
فيها أمور دينهم، ويستمعون منه القضايا التي تهمهم، ويحل لهم المشكلات التي
تعترض حياتهم.
وعرف عن الشيخ "العز بن عبد السلام" أنه كان لا يسكت عن خطأ أو تهاون في حق الأمة والوطن ..
فإذا علم أن هناك تجاوزات كشفها في الحال وبين موقف الإسلام منها ..
وكانت هذه المواقف تسبب له مضايقات، لكنه لم يهتم بها ما دام قد أدى واجبه.
وفى إحدى خطبه أفتى بحرمة بيع السلاح للفرنج الصليبيين، وكانوا لا
يزالون يحتلون أجزاء من بلاد الشام، بعد أن ثبت عنده أن هذه الأسلحة
يستخدمها الفرنج في محاربة المسلمين.
وكان قد علم أن وفدًا من الصليبيين قد سمح لهم سلطان "دمشق" الصالح "إسماعيل" بدخول "دمشق" لشراء سلاح لهم من التجار المسلمين.
وكان لهذه الخطبة أثر كبير في الناس، فتناقلوها فيما بينهم، وأعجبوا
كلهم بها إلا السلطان وحاشيته، فقام بعزل الشيخ عن الخطابة والإفتاء، وأمر
بحبسه، لكنه أطلق سراحه بعد مدة خوفًا من غضب الناس وثورتهم و ألزمه بألا
يغادر منزله.
رحيله من دمشق ومواقفه فى مصر ومع سلطانيها :
سئم الشيخ "العز بن عبد السلام" العزلة التي فرضت عليه، ومنعه من إلقاء
الدروس وإفتاء الناس، وكان يستشعر أن قيمة الإنسان فيما يعطى، وأن قيمته
هو أن يكون بين الناس معلمًا ومفتيًا وخطيبًا لذلك قرر الذهاب إلى القاهرة،
ورفض أن يتودد للسلطان ويستعطفه حتى يرضى عنه.
وصل الشيخ إلى "القاهرة" سنة (639 ﻫ = 1241 م) واستقبله سلطان "مصر"
الصالح "أيوب" استقبالاً عظيمًا، وطلب منه على الفور أن يتولى الخطابة في
جامع "عمرو بن العاص"، كما عينه في منصب قاضى القضاة، وجعله مشرفًا على
إعادة إعمار المساجد المهجورة في "مصر"، وهذه الوظيفة أقرب ما تكون الآن
إلى منصب وزير الأوقاف .
وفاته :
وقد امتدت الحياة بالشيخ الجليل فبلغ الثالثة والثمانين قضاها في خدمة
الإسلام، والجهاد باللسان والقلم، وحمل السلاح ضد الفرنج ، حتى لقي ربه في
(10 من جمادى الأولى 660 ﻫ = 2 من مارس 1261م) .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق